بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أجمع الكتاب والمحللون على أنَّ النكبة بدأت، ولكنها متواصلة، ومتجددة، وما زالت تحفر بأنيابها في جسد الشعب الفلسطيني. وما عاناهُ الشعب الفلسطيني والأمة العربية بعد العام 1948 من مفاعيل تجذير الوجود العنصري، والعدواني، والتوسعي للكيان الاسرائيلي لا يقل أهمية عمَّا سبقه، وإنما هو مكمِّل لمشروع الإحلال، والاستيطان، والتشريد، والقتل، والدمار والتدمير، خاصة أنَّ الأساليب، والأدوات، والتكنولوجيا قد تطورت من أجل تطويع الارادات، وردع المقاومات، وتصفية الانتفاضات، وانتهاك القوانين والحرمات، وتكريس المزيد من الآلام والعذابات، واستباحة المقدسات.
والسؤال الجوهري والمحوري الذي يطرح نفسه هو لماذا نحن في نكبة متواصلة؟ وهل بالإمكان أن يكون الأمرُ أحسن مما كان؟
أولاً: علينا أن نحدِّد أسباب النكبة وكيف نجح الكيان الصهويني في فرض ذاته على أرض عربية وإسلامية دون أن يواجه صعوبات وإنما وجد المزيد من التسهيلات.
أ?- الشعب الفلسطيني لم يكن مسلوب الارادة والتصميم، وإنما قاتل وواجه بما استطاع امتلاكه من بنادق قديمة، وذخائر معظمها أصبح فاسداً، وقدَّم الشهداء. الشعب الفلسطيني وعبر قادته الميدانيين استجدوا السلاح والذخائر من القيادات العربية الرسمية حتى يقوموا بواجب الدفاع الوطني والقومي نيابة عن الأمة لكنَّ عبد القادر الحسيني عاد يائساً من قومه، فلا هم يريدون القتال، ولا هم يقدمون السلاح لمن يريد القتال، واستشهد عبد القادر الحسيني مقاتلاً شاهداً على جريمة العصر. فالمشروع كان مرسوماً، والتعليمات واضحة، والأدوار موَّزعة سلفاً.
ب?- النكبة لم تبدأ في العام 1948 وإنما مع إقرار وعد بلفور في العام 1917 وهو رسالة واضحة للجميع، وكشف عن كلِّ ما هو آتٍ من مخططات تستهدف الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني على أرضه. الجميع مسلمين وعرباً أخذوا علماً بذلك. لكنهم تركوا الهمَّ كلَّ الهم على الشعب الفلسطيني الأعزل من السلاح، والمكبَّل بالانتداب، والمعلَّق على المشانق، والمكدَّس في السجون والزنازين.
ت?- المشروع الصهيوني برمته يعتمد على الاستيطان الذي يعني استقدام اليهود من أنحاء العالم- الذي كان ينتظر اللحظة التي يتخلص فيها من اليهود – من خلال خطة مدروسة ومنظمة ومموَّلة، وكانت المستوطنات تُقام برعاية الانتداب على مرأى ومسمع من العالمين العربي والاسلامي، والشعب الفلسطيني خاض صراعاً مشرِّفاً ضد المشروع الصهيوني منذ البدايات فالاشتباكات المتواصلة في العشرينات تشهد على ذلك، وهبّة البراق، وثورة العام 1936 وامتداداتها. كل ذلك شكّل رسالة واضحة وصارخة حول حجم المؤامرة التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني، لكن ذلك كلّه لم يشكل رافعة للموقف العربي الذي يخضع لاعتبارات مصلحية وأمنية لم تؤهله للانخراط في عملية مقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة، وكان البعض يعتقد بأنّ المقصود في المؤامرة الاستعمارية الصهيونية هو الشعب الفلسطيني وأرضه فقط، واتضح لهم فيما بعد أن هذا المشروع هو استهداف للمنطقة بكاملها، وأنهم لن يكونوا بعيدين عن نار الاحتلال، ومن واجبهم أن يقولوا اليوم "أُكلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض".
ث?- الشعب الفلسطيني في مرحلة ما قبل 1948 كان يفتقر الى القيادة السياسة المطلوبة في مثل هذه المحطة الخطيرة على المنطقة برمتها، مع احترامنا وتقديرنا للجهود التي بذلها الحاج أمين الحسيني الذي دارت الدائرة عليه وحالت دون ممارستِة مهماته فاضطر إلى اللجوء مبكراً. والأهم أن قرار التقسيم في العام 29/11/1947 الذي جاء تتويجاً للمشروع الصهيوني القائم على إقامة الكيان العنصري الاسرائيلي بعد طرد الفلسطينيين وتشريدهم من أرضهم، هذا القرار دقّ ناقوس الخطر في أرجاء المعمورة بما في ذلك أرجاء المعمورة بما في ذلك أرجاء الامتين الاسلامية والعربية، ولكن صُمَّت الآذان، وعكفت الدول تبحث عن مصالحها وأمنها وراحت تدور في أفلاك الآخرين على أنقاض الارض المباركة، وعلى جماجم أبناء فلسطين، الجميع كان ينتظر إستكمال الحلقة الأخيرة من جريمة العصر في حالة عجز مطبق، وشللٍ مُرعب، وارادة مسلوبة، وتواطؤ مُذهل.
ج?- القيادات العربية الرسمية آنذاك أسهمت عن وعي أو عدم وعي في تشييق الخناق على الشعب الفلسطيني، ثم في حرمانه من مقومات الصمود والمواجهة، ثم في عزل المعاناة الفلسطينية عن الامة العربية، والاكتفاء بإرسال جيش الانقاذ لتنفيس حالة الاحتقان، وإستكمال المسرحية والذي كان يُدار على الريمون كونترول بما يخدم المشروع الجديد الهادف إلى تشريد الشعب الفلسطيني.
ثانياً: هل بالإمكان وضع حدٍ للنكبة المتواصلة؟ وما هو المطلوب؟ هناك حقائق أثبتها التاريخ وهي أن الشعوب لا تُهزم حتى لو هُزمت الجيوش والقيادات، لأن الشعوب عندما تُعطى الفرصة والحرية لصناعة مستقبلها فإنها تمتلك القدرات الإبداعية الخلاّقة الكامنة والمُختزنة التي بإمكانها صُنع الحقائق الجديدة على الارض.
أ?- إنَّ ما تمَّ إنجازه عبر مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني من إبرازٍ للهوية الوطنية الفلسطينية، وإيجاد الكيان الفلسطيني، والحصول على قرارات سياسية مهمة من مجلس الأمن والجمعية العمومية، ومختلف الهيئات الدولية يتطلب الحفاظ عليها وحدة الصف، وتوحيد الجهود، وإنهاء حالة الانقسام المأساوية والتوقيع على الورقة المصرية للمصالحة، وإذا لم تتراجع حماس عن الخطوة الانقسامية والعرقلة المقصودة فإن النكبة ستبقى مستمرة، لأن النكبة تكرَّست بوجود حالة الضعف والتفكك، فالموضوع إذاً عند الفلسطينيين هذه المرة وليس عند الآخرين بشكل عام.
ب?- لا بد من وضع القضية الفلسطينية بكل أبعادها التاريخية والجغرافية والدينية والوطنية والقومية في موضعها الصحيح فهي القضية المركزية التي يجب أن تتمحور حولها الجهود، وأن يُخرِجَ الجميعُ القضية الفلسطينية من سوق الاستخدام والاستثمار والمتاجرة رحمةً بالشعب الفلسطيني.
ت?- عندما يستيقظ الفلسطينيون لمصالحهم، ويدركون أنّ ما يصون ويحمي مستقبلهم وواقعهم وقضيتهم هو توحُّدهم في إطار (م.ت.ف) الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وعندما يدرك العرب بأنهم معنيون بالدفاع عن فلسطين ومقدساتها، وشعبها وتاريخها، وأنّ هذه أولوية لها علاقة بالعقيدة والكرامة والانتماء القومي، عندئذٍ تتوقف النكبة لندخل في مرحلة جديدة هي مرحلة التحرير والنصر والانتصار.
ث?- لم يعد مجدياً كيل الشتائم والنعوت لأمريكا واسرائيل وتحميلهما المسؤولية لأنَّ اميركا واسرائيل تربطهما علاقة استراتيجية سياسية وعسكرية وأمنية، ومصلحتهما ان لا تختلفا لأن المصالح متبادلة بينهما، فالرئيس الاميركي أياً كان لا يستطيع تحدي اللوبي اليهودي صاحب التأثير في مختلف الدوائر والمؤسسات والوزارات، فهذا اللوبي اليهودي في النهاية هو الذي يقرر إمكانية نجاح الرئيس واستمراره، أيضاً اسرائيل لا تستطيع ان تدخل في صراع مع الولايات المتحدة، لأنَّ ذلك يعني تقديم المصالح الاسرائيلية على الاميركية، وهي معنية ان تتعاطى بإيجابية مع واشنطن كدولة عظمى أصبحت سيدة العالم، وأن لا تتجاوز الخط الأحمر المرسوم في كيفية لتعامل الخلافات المتوقعة، وآليات المعالجة.
بإختصار علينا ان لا نهرب من مسؤولياتنا التاريخية في التعاطي مع الواقع، وان ننتقل دائرة الفعل، وميدان العمل على أسس واضحة، وفهم موضوعي لطبيعة الصراع، وكيفية إدارة الصراع، عن التهويل والتضليل، والمخادعة، وقلب الحقائق.